نثر

لم يخبرونا

لم يخبرونا عن أيامٍ ستأتي نعجز فيها عن النسيان، عن محْيِ ما كان. لم يخبرونا أن الأمر لن يكون بسهولة نسيان تلك النملة التي صادقتها عندما كنت في عمر الخامسة. لم يخبرونا أنه سيصعب الأمر، و أن في بعض الأيام لا يشرق الفجر.

لم يخبرونا أن البشر أشرار، وأنهم يتغذون على الكره،  والحقد، وكسر الخواطر. لم يخبرونا أننا سنصبح تائهين. لم يخبرونا أننا سوف نشكك بكل ما قيل، بكل الثوابت، وبكل الحقائق، وبكل هؤلاء "الكرام الأفاضل".

لم يخبرونا أننا سنؤمن بحق التفكير، وبحق السؤال، وبحق محبة مالا يحق لنا حبه. لم يخبرونا أننا سوف نثور، وسوف نصرخ، وسوف نقول. سنقول.

لم يخبرونا أننا سنكره الأقربون من البشر. لم يخبرونا أننا سوف نحب الخطَرْ، و سوف نصادق الليل،  وسنهوى القمر. يا حلو القمر.

لم يخبرونا أنها ليست عادلة. لا تحبك وتحب منحط القيم. لا تحبك، وتحب الأعمى عن الحق. لا تحبك، وتحب متزعزع الرأي،  مربوط اللسان، ومتضرع القمع. لا تحبك، وتحب كاره الثائرين، وعشيق القامِعين، ووليَّ الجاهلين الخاسئين.

لم يخبرونا أننا سنعشق من البشر. لم يخبرونا أن على الأغلب ستعشق وحدك. لم يخبرونا أنها ستفيض عينك، وسيغيب نومك، وستُسلخ روحك، وتلك الحائرة ستحتل صدرك، وستُرهب في عقلك، وستكسرك.

لم يخبرونا أنها لن تعلم. أنها لم تفقه، ولم تقصد أن تكون والية لكل هذا الألم؛ فهم لم يخبروها هي أيضاً أنها ليست كالجميع، وأن السماء تخبئ كل نجومها في عينيها. لم يخبروها أنها تضيء، وأنها بهدف إصلاح القلوب ستحطم الكثير منها. لم يخبروها أنها مميزة.

لم يخبرونا أننا سنحاول، ونفشل، ونقاتل، ونخسر، وأن السعادة مؤقتة، والحزن دائم مُحكمُ القبضة، وشديد القسوة. لم يخبرونا أن الممر لا ينتهي، وأن ذاك الضوء في آخره كاذب، وخادع، وظالم. كذلك الرجل، وتلك الامرأة، و ذاك الصديق، وذاك القاضي، و ذاك الحاجز العاجي.

لم يخبرونا أننا لن نتجاوز مهما طال الزمن، و كثرت المحاولات، ومهما استبسلنا لأجل ذلك، ومهما كنا قريبين من ذلك لن نتجاوز. لن نتجاوز.

لم يخبرونا أننا لن نسامحهم. أننا سنكره ذكرهم، وسنحرق جميلهم، وسنثور عند رؤيتهم. يا قبحهم.

لم يخبرونا.


خالد منصور كاتب من جدة متابعة أعماله على تويتر.

14.

فكرة

.تتابعت الأيام كفكرة

ففي هذه البقعة من اليابس والماء التي رسمتها خطوط وهمية، أعيش في مكان أصبح الشارب فيه يرتدي الرجل، وسيارتي مذنبة وخائنة لأن الطرقات اغتصبت ".براءة ملامحها قليلًا، وحقيبتي الصغيرة التي تحمل جزءًا مني في جوفها وجب علي نسيانها لأن أحدهم قرر أنها "لم تعد جديدة

البعض لا يجدون مانعًا في العيش بدون أعين، طالما أن هناك من يخبرهم بالذي يحدث من التصنع، فقط إن أنكرت وجوده.  وإن كان للحق أعين فأجزم أنها جميعًا اهترأت، ولم تعد تفرق بين ألوان الزمان جيدًا. 

ولكن في الحقيقة الحقيقية: أنا أرتدي شاوبي، ولم يكن يرتديني يومًا، وسيارتي ليست خائنة؛ فقد كانت وفية بمواعيدي دومًا، ولا يجب علي أن أترك حقيبتي الصغيرة، لأني لم أراها تستهر بأشيائي قط. لم يعد ما يراه الزمان يهمني؛ فإن كانت أعيني بخير، لا أحتاج من يخبرني بما يدور حولي. ولا ضر في أن تملأ .نفسك 


ريان الشيخي شاعر شارك في عدة أمسيات شعرية منها أمسية وَرد ما وراء الإطار. لمزيدٍ من أعماله يمكنكم زيارة حسابه على إنستجرام.

11.

مشاعر متكئة

عقلي جائع، وقلبي بائع

!طريقي طويل، ووطني ضائع

الوداع حقيبتي، الأمل قلادتي

...وحذائي واسع

!القرب يؤذي معدتي، والبعد يلعن مرقدي

ما حيلتي؟

،قالت وكل العالمين لقولها سمعوا

!ظهرت وقلوبهم قبلي لها رقّت

حزينة كغيمة ما أنجبت

!مطراً ولا ظلاً أوَت

هي وردةٌ

هي ثورةٌ

!هي في ميادين المعارك دمعةٌ

.أحببتها، والقلب يهوى من يقلِّبه

...أخبرتها أن الهواء يساير من يحرِّكه

،أخبرتها أن الغروب غيابها

.أن القلوب ثيابها

،أخبرتها في جوف قلبي مرقدٌ

 .في جفن عيني معبدٌ

.أحببتها والقلب لاقى حتفه، وضمائر الأشياء باتت عددٌ

،أيا كوناً تجزّأت الأجزاء داخله

ما علّة الأشياء حولي؟

القلب من أجبره؟

والعقل من جابِرهُ؟

اللون ما تهمته؟

والجنس ما حيلته؟

الطور من نافخه؟

والقبر من يسمعه؟

الحب من أسقاه؟

والموت من أحياه؟

الشمس من أقنعها؟

والليل من ناداه؟

.الفكر أمسى عائما...والروح بان زوالها

هل عِفت نفسي أم طغى عصيانها؟

أسينتهي كل الأنا عند الذي وجد الأنا؟

.أم ينتهي يومٌ أنا وأعود مبتسماً أنا


سعيد بايونس فنان ومصور من جدة. يمكنكم رؤية مزيد من أعماله عبر متابعته على إنستجرام.

13.

اكتئاب

كم وددت وصول العدم.. توسلت بالصلاةِ وبالدعاء

..صلواتي بلغت حد التطلّع، الترقب والرجاء

وحدي وسط كل هذه الظلمة 

كل ما كان يحدث في العلن والخفاء

كثيرًا ما تُصاب روحي بالفراغ وبالخواءِ 

حزنًا يصيبني إزاء فقدي...كل التوهج والضياء

حزنًا يلتصق بي، اتصف به، يسلبُ بصيص الاملِ

..ويلازمني حد البقاء

حزنًا يخنق روحي، يسلبني أسباب البقاء وكل الهواء 

أحدق في وجه القمر وأدرك أن وجودي ما هو إلا نطفةً بعين السماءِ


.فتون زياد كاتبة من الرياض

12.

يائس

يمشي يمينًا ويسارًا 

:ينظر في وجوههم ولسان حاله يقول

اسألوني أرجوكم

اسألوا فربما أنا لست بخير

ولربما سؤالكم يحيي في داخلي ما مات

لماذا تنظرون فقط؟ 

هل خيطت شفاهكم ببعض؟ 

هل نسيتم المفردات؟

أم أن أمري أصبح لا يعنيكم؟

يتعب من المشي فيسقط أرضًا

:ويردد بصوت خافت ومتعب

..اسألوني

ولكن لا يسأله أحد ولو على سبيل الخطأ.


مريم السيد كاتبة من جدة. يمكنكم متابعتها على تويتر.

8.

من بيت شعر

من بيت شعرٍ...تشرق روحي وتغرد عصافيرها 

ومن بيت شعرٍ...أُطلُّ من نافذة قلعة تاريخية 

من بيت شعرٍ...أحبك بألف طريقة 

ومن بيت شعرٍ...أولد مرة أخرى 

من بيت شعرٍ...أبحر إلى شطآن بكر 

ومن بيت شعرٍ...تمطر سماء قلبي 

ومن بيت شعرٍ... يتقوس ظهري وينمو لي جناحان 

...وما أنا 

.إلا أبيات من الشعر

 

عبير السبيعي كاتبة يمكنكم متباعتها على تويتر

7.

"إلى من "أعطاني جناحه وأخذ منّي سماي

يُقال "بجناحيه، يُدرك العصفور أن الحرية لا تعني أن يكونَ القفص أوسع من السابق" وأنا -بشعوري- أدرك ذلك بطريقة ما.

لقد كانت كل هذه السَّماوات لي حتى لو لم تكن متوهجة بالشُّعاع، حتى لو كانت مُلبَّدة بالمُحالحتى لو لم أحلِّق إليها بعد. أوجها مداي، ونجمها سناي، شاسع مثلها خيالي، وبعيد مثلها أيضًا، و على شفا منتهاها تنتهي الأحلام، هل للسَّماء منتهى؟ لا، ولا للأحلام أيضًا.

ٍثم أتيت أنت بمثابة سقف، جاعلًا لكل شيءٍ حدّ.

لماذا قد أبدل سماواتي بسقف مهما كان مرتفعًا، جميلًا، واهبًا للأمان ووجوده باعث على الراحة؟

لماذا قد أشاطرك قيد بكِلّ انحيازي إلى التفرد؟

لماذا أتجاهل تعثُّري بعتبة الزمن، سقوطي بعتبة الشعور، وأمضي متوكِّأة على حيرتي إلى هذاالتجربة؟ أنا على رأي أثير: "أريد تجارب  تضيف  لي  لا  تجهز علي." لم  تترك  لي  الحياة  ترف أن أقامر، لقد عبثت بي حتى بت أحفل منها بأكثر أيامها عادية، تلك التي  لا  تحمل  وهج بداية ولا حشد نهاية، وأحيانًا كان يقنعني منها حزني الذي ألِفته، على ألا تبتكر لي حزنًا جديدًا، على ألا يطويني الخوف من جديد، فأنا أمقت الخوف، ولا أمان دون حريَّة.

لماذا مددت للحياة يدًا تصافح بينما أتقي بالأخرى منها صفعة؟

لماذا مضيت في دروبها دون خارطة، حتى وصلت إلى الطريق الذي طالما طالتني وعورته قبل أن أسلكه،  وحين  فررت  عائدة منه أضعت  طريقي إلي،  لا  زلت  حتى  لحظة  كتابتي  لهذا التَّيه في التَّيه، أكفر بالجهة والدليل والأيادي الممدودة والنجوم التي تلوح لترشدني.

يا الله لا أريد يدًا ولا نجمة، لا أريد إشارة متوارية، لا أريد رؤيا، لا أريد شعورًا، أريد خارطتي، أريد خارطتك، أريد كل الطرق المتاحة،  أريد  أن  أمضي  حيث  أختار، ويكون  باستطاعتي  دائمًا أن "أشارك صغار العصافير درب الرجوع" إلى صدر أمي.

نور كاتبة من الطائف. يمكنكم متابعتها على مدونتها وحسابها على تويتر 

 

 

8.

عزيزان، نسجن آهنا فينا

ربما لم يراودنا الشَّوق بعد، ولم يقدّ الفقد ضحكتنا، وبتنا الآن “عزيزان” نسجن آهنا فينا.. لكننا القمر والشمس، الحلم وتأويله، جمعتنا سماء الحزن صدفة ألا يجمعنا عرش علاقة -عن عمدٍ- رفعناها بأيدينا؟ 

أنا أُلقي كلَّ أوهامي وأكفلها، أتَّخذ الكتابة دون نسيانها حجابًا، أجيء إلى جذع الذكرى أهزه، يساقط علي صدقًا ودمعًا وأيامًا.

.يذكِّرني نجاتنا من أعتى أعتى طوفان -قربنا الألواح كفّينا الدُّسر- وباسمينا وباسم الحبِّ مجريها ومرساها 

والآن.. أريدك أن تتذكر مثلي، حتى وإن كنتَ مغاضبًا وإن كنتُ الفلك المشحون، سنظلُّ نركض إلى بعضنا حين يمسُّنا سوء، أنا مغتسلٌ باردٌ وشراب. وأنت تضرب بالضّغث همومي. ويظلّ بمقدورك أبدًا أن تنتبذ إلي من ظلماتك ولُجَّتك، ستجدني نُورًا وعراء وفيء شجرة يقطين، ستجدني فؤاد أم موسى الفارغ، على أهبة أن تختبئ بي كتابوته، وتتوكّأ علي كعصاه، وأتوهّج في ظلماتك كجذوته.

نور كاتبة من الطائف. يمكنكم متابعتها على مدونتها وحسابها على تويتر

6.

موعد تحت السرير

كنت أهم بالنزول

إلى قاع السرير

،في انتظاري

على طاولة الطعام

،يجلس الوحش

منتظراً الفرصة لسرقة

وسادتي المريحة

تفكّر بالأحلام

...واحدًا تلو آخر

ثمَّ تنتج

فيلمًا أو مشهدًا ما

من شجار الأسرة

وتلاحم الجيران

وقلق الخفافيش ليلاً

،وفي أحد المشاهد التي تختارها

،كنت أنا من يجري في السباق

،وحيدًا على منصّة التكريم

ألقي خطابًا

...لعائلتي 

-ثم أتذكر أن والداي

توقفا لوهلة عن الشجار

ليصفِّقا بحرارة

،لكي أستيقظ الآن

للحاق موعدي الأول 

.تحت السرير

ندى عبدالرحمن كاتبة يمكنكم متابعة مدونتها وحسابها على تويتر