دبلة

اليوم وبالتاريخ الهجري دخلت عامها الثاني والخمسين، لكنها لا تحتفل إلا بثلاثة أعياد: عيدي الفطر والأضحى ويوم سلامة ابنها الأكبر طلال. تملك طقوسها الخاصة بذلك التاريخ، وفي كل عام تعيد القيام بها، وفي نفسها تعرف بأنه عيد يخصها دون العالمين.

تحتفل اليوم بعقيقة حفيدها الأول. أقامت الحفل في بيتها الكبير، وعندما شارف الحفل على نهايته ونزعن بناتها أحذيتهن العالية، وكادت هي أن تستأذن لتلبس رداءً أخف من الجلابية التي تتزين بها تستريح قليلًا، وصلتها رسالة كانت تنتظرها منذ أشهر.

تمنت لو لم تصلها هذه الرسالة هذه الليلة. يضيق عليها أن تتكدر ملامحها وهي محاطة بكل صديقاتها، وأخواتها، وبناتها، وزوجات أبنائها، بكل نسوتها التي تحبهن. تمنت لو يمكنها أن تطرد الجميع.

مدت حينها عالية يدها لتقرأ الرسالة، وهنا شهقت وقالت:

طلاق يطلق رزقك! ما أنتِ بحاجته، جبتي العيال وعينتي طيب الفأل، ما عليك منه.

ليتها كانت بقوة عالية، ليتها تعرف ماذا ستفعل الآن، وغداً وبعد غد!

وجدت نفسها قد تركت الجمع بهدوء وذهبت لغرفة غسيل الملابس، وفي أعقابها بناتها.

صدق اللي تقوله خالتي؟

انتزعت سلة غسيل فارغة، بينما قامت أكبر بناتها بالإشارة للجميع بأن يلزموا الصمت.

نزلت درجات السلم مارة بالنسوة المشغولات بالقضية التي انتهت برسالة. وعم الصمت حينما شاهدوها بسلتها، لكنها حثت الخطى للخارج، وعندما وصلت مجلس الرجال والباب الرئيسي لبيتها توقفت لتضع أحذية فهد. وكانت هذه البداية، فكل ما يملكه فهد ستضعه في هذه السلة. كانت تتوقف بين الحين والآخر لتبالغ في ترتيب المنزل وإعادة تنظيف ما حولها.

الأيدي الممتدة لتضمها والأصوات الصاخبة تثقل على رأسها وتكاد تمنعها من المضي في عملها الصامت.

الله يجبر كسر قلبك، أنا عارفة أنك مصدومة لكننا كلنا حولك ومعك.

ابتسمت. كانت صديقتها تنتفض. لا تحتاج غالية للمواساة، فهي كانت تنتظر الرسالة. حتماً كان الأمر صفعة موجعة لمن يحبونها. لا يمكن أن تقوم حياتنا على الحب وحده، عليهم أن يدركوا أن للحب أوجهاً عديدة. لهذا السبب كان يجب عليها أن تطلب الطلاق، ولهذا يجب عليها أن تحتمل تبعات اختيارها.

عانقت غالية صديقتها ومدت يدها لتواصل عناق الجميع، ودون كلمة أكملت عملها وهم في لجة عظيمة.

لم يتبقَّ إلا غرفة نومهم. دخلت بخطوات ثقيلة وجلست تتأمل كل ما حولها، ويدها تميل بتلقائية لممتلكات فهد، تفصل حياته عن حياتها بعد التحام دام لثلاثين سنة.

وهنا اقتحمت عالية الغرفة وهي ترعد بالتهديد والوعيد. مرة أخرى اجتمعن نسوتها، وهذه المرة أدركت بأن العدد تناقص وبقي دمها حولها يغلي. توجب عليها أن تتكلم لتخمد ثورات الغضب، لكنها لم تهتدِ للكلمات التي يمكن أن تقولها. فتحت فمها عدة مرات وأغلقته، ثم قررت أن تصدح بالحقيقة:

أنا اللي طلبته، أنا.

كررت قول الضمير عدة مرات حتى سكن الجميع للصمت، وضحكت هامسة:

لا تبكونه.

هي الوحيدة التي يحق لها أن تبكيه.

تعود لتعبئة سلة فهد، وكل قطعة تهزها بسيل من الذكريات: كل صورة له، كل مسبحة، وكل عمامة.

غابت الأشياء الظاهرة في السلة وبقيت ممتلكاته المحفوظة بالخزائن والأدراج. بدأت بالدولاب: كل ملابسه، البشت الذي كان قد ارتداه يوم زواجهم، والإحرام الأبيض، وبدلته. سيحتاج لكل شيء، ففي بيته الجديد لا شيء من ماضيه، وهذا سيرهقه، وبالتأكيد سيضيع دون أشيائه كلها.

عشانه تزوج تصغرين عقلك؟ تخربين بيتك؟ تتركينه لها كذا!

صوت نورة يؤذن بنوبة بكاء، لكن غالية تجاوزت مرحلة الإقناع:

ما تركته، هو تركني.

قامت ابنتها بالمهمة الصعبة وأخرجت الجميع، طالبة منهم أن يمنحوا غالية ساعة واحدة تستجمع فيها شمل نفسها.

الفراق الذي ظنته لن يحدث وهما على قيد الحياة تحقق، وعليها أن تذوق مرارة فقد لم تحسب حسابه.

الرجل لم يعد سوى شريط يحمل ماضيها بقدر ما تحمل ماضيه. معه كانت ذكرى بيتهم الأول وأطفالهما الخمسة، ومعه ذكرى كل قرية انتقلت لها قبل أن تنتقل لرغبتها الأولى، ومعه وحده كانت ذكرى بناء هذا البيت، والكثير من الذكريات التي لا أرشيف لها، الكثير منها في كل شيء كان يخصه.

تحبه، وكان عليها أن تختار بعده لكي تحتفظ بالسنوات الماضية وكي تحتفظ بما تبقى لها من قوة.

لا تنكر شرع الله، ولا تكابر في الاعتراف لنفسها بأنه جرحها. يجرحها أن تتذكر بأنه تزوج دون أسباب فتاة في العشرين، صبية في عمر بناتها. لا يمكنها أن تقبل رضاوة في شأن لن ترضى به يومًا. لو كانت الفتاة يتيمة، لو كانت دميمة، أو بها ما يمنع الخُطّاب عنها، لهان أمر زواجه. لهونت على نفسها وقالت بأن زواجه فعل خير لا دخل لها فيه، لكنها لم تجد له من بين سبعين عذر اختلقتها عذرًا واحدًا.

انتهت من الملابس وامتدت يدها للخزنة، حيث وجدت سلاحه الصغير وألبومات الصور القديمة. كانت تخاف أن تمتد يد أحد أقاربهم فتتمزق شواهد الذاكرة، وعندما انطفأ التشدد وأصبحت اليد التي تمتد دون إذن يدًا متطفلة بدلًا من ناصحة، كانت العادة قد لازمتها، والصور لم تعد تخرج من الخزنة. صورته وهو يحادث جدته في منزلهم الصيفي بالطائف لا تخصها بل تخصه.

صورته مع بكرهم، هذه لطلال. صورته يضحك أمام البحر. كان يضحك لها، لكنها اليوم صورته.

صوره كلها تشير للأوقات التي عاشها، للموضات العابرة التي ركب موجتها. كان ابن وقته بكل ما تعنيه الكلمة: السبعينات الصاخبة، والثمانينات العاجة بالألوان، ورزانة التسعينات، بينما صورها ثابتة لا تشبه الوقت بل تشبهها هي وحدها.

استمرت تقلب الذكريات وتنزعها عن بعضها حتى تخلصت من كل صوره. وفي هذه اللحظة تحديدًا أصابتها رعدة في جسدها: بعد كل هذا العمر لم تجد صورة واحدة تجمعها به! حتى صور زواجها كانت لها وحدها، لها مع قريباتها وحسب.

بكت ثم توجّدت. ودت لو أن الأمور بينهما لم تنتهِ نهاية متمدنة بل نهاية وحشية كالمشاعر التي تنهشها.

ليتها تنفجر بوجهه وتذكره بكل هذا، أن ترمي دبلتها كبطلات الأفلام القديمة. لكن، وعند هذه الفكرة، ضحكت: لم يكن هنالك دبلة، فهذه ليست بعادة تخصهم. امتدت يدها لذهبها بالرف العلوي من الخزنة، حيث تحتفظ بمهرها الذي كان عبارة عن ثلاثة عقود ثقيلة وهامة و٢٤ حبة من الغوايش، وقطع أخرى تزكي عنها لأنها لم تعد تلبسها.

أي منها كانت الدبلة؟

التقطت الهامة واختتمت بها عملية الجرد. كل ممتلكاته ستعود له.


شروق العتيبي كاتبة من الرياض. تهوى الفن والقراءة، وأسست نادي «الفصل الأول» للكتابة الإبداعية في 2019. تابعوها على إنستقرام وتويتر.

Khaled AlqahtaniComment