كانت أموري «تمام» حتى شاهدت فيلمًا سينمائيًا وثائقيًا يتحدث عن قصة قتل حقيقية وقعت في إحدى الدول الإسكندنافية في تسعينيات القرن الماضي.
وقعت حادثة القتل في ليلة أعياد الميلاد، حينما كان الجميع منشغلًا بالاحتفالات، والطرق يغطيها الجليد، والطقس باردًا جدًا. كانت هذه الأجواء كلها محفّزة للقاتل على فعلته. تمت الجريمة، وجاءت الشرطة واعتقلت بعض الأبرياء الذين اشتبهت فيهم. كثّفت التحقيق مع أحدهم لليالٍ طويلة متتابعة دون راحة، وقد تصل جلسة التحقيق الواحدة إلى 21 ساعة متواصلة، لدرجة أن هذا البريء، من شدة التعب والإرهاق وكثرة الضغط، بدأ يفقد السيطرة على ذكرياته، حتى أصبحت روايته تتشابه مع رواية الشرطة المختلقة، لأنه وقع في متلازمة الذكريات الكاذبة بسبب الاستجواب الطويل الموجّه. في نهاية أيام التحقيق، لم يعد قادرًا على تمييز ما هي ذكرياته الحقيقية في ليلة الجريمة، وما بين المعلومات التي أدخلها عناصر الشرطة في عقله، ومنذ ذلك الحين تشكّلت لدي شكوك حول الذاكرة وعملها، وحقيقة كيف نتذكر الماضي؟
واكتشفت، مع القراءة والتحليل والسؤال والتنقيب، أن الذاكرة يمكن أن تكون تزييفًا داخليًا غير مقصود، لكنه مؤثر بشكل كبير، بمعنى أن «الذاكرة خؤون» وتعيد وتشكّل الذكريات.
ربما أفضل تعريف للذاكرة أنها ليست آلة تسجيل، وإنما تعمل بشكل مستمر على إعادة تشكيل الماضي. إنها تزيّف أكثر مما تستعيد. الذكريات ليست صادقة، بل هي خليط بين جزء بسيط من الحقيقة وكومة كبيرة من الأوهام.
قطعًا ليست أرشيفًا، إنها «محرر»؛ فهي تقوم بتحرير المشهد وتحذف وتضيف، بناءً على أحدث أبحاث علم النفس المعرفي التي تثبت أن الذاكرة «مرنة ومتحولة»، ولهذا فإنه من السذاجة بمكان أن نعتقد بأن ما نتذكره هو ما حدث فعلًا.
نعم، بالطبع ليست كل الذكريات أوهامًا؛ هناك ذكريات مستقرة ودقيقة، خصوصًا الذكريات المؤلمة أو العاطفية الشديدة.
الذي لا ندركه أن الدماغ يضيف تفاصيل ويحذف أخرى، ولكن من النادر أن يخترع شيئًا من تلقاء نفسه؛ لكن حتى الإضافة والحذف بحد ذاتهما مصيبة.
ولأن الذاكرة مرنة، فهي حساسة أيضًا وهشّة في الوقت نفسه، فمثلًا الرائحة من أشد الأمور التي تثير الذاكرة.
رائحة العطر تجعلك تتذكر، ولو بشكل جزئي، أماكن وأحاديث وأشخاصًا ومشاهد كاملة كانت في طي النسيان.
قد تموت كل الإشارات والأمارات، لكن في النهاية تبقى الرائحة قصة لا تموت.
وإذا كان السؤال: كيف نتذكر؟ فالجواب: لماذا نتذكر أصلًا؟
حاتم الشهري كاتب وباحث في الإعلام مختص في الاتصال الجماهيري من الرياض. يشغل حاتم حاليًا منصب الرئيس التنفيذي لوكالة «حرف» الأدبية، وهو مؤلف لثمانية عشر كتابًا، وحائز على جائزتين عالميتين في الشعر. تابعوه على إنستقرام وتويتر.