أفعى مرقطة

على تقاطع شارعين فرعيين، وبالضبط عند نقطة التقائهما، كان يتربع عجوز على سجادة لا تتجاوز ركبتيه المنثنيتَين. يغطي هيئته البالية ثوبٌ رمادي ثقيل، لا يلائم حرارة الصيف، ومناسب أكثر للفحات الشتاء. هذه حالةٌ معتادةٌ لمن عجز جيبه عن التنعم بدفء الصيف والاحتماء من صقيع الشتاء؛ فهو ثوبٌ واحد يحتمل ثقله في لهيب الصيف ويستعين به في الشتاء، ولو أنه لا يدفع قرصات البرد. تحتضن عنقه أفعى بيضاء مرقطة بالأحمر كجزءٍ أساسي من زيه العربي، تخنقه وترغمه على طأطأة رأسه. في الظاهر تبدو وكأنها تمده بالحنان والدفء، إلا أنه أدرى بما تخفيه. تتجاوزه السيارات مسرعة؛ فيبسط كفه ويقبضها في صراعٍ بين كرامة متجذرة وعجزٍ غريب.

لطالما كان الماضي والحاضر في تضارب؛ فالأول لا يقبل التشكيل والتحوير، والثاني في سعيٍ دائم إلى التغيير. 

نظرت في الأرجاء علّي أرى ظله؛ ذلك السواد الذي يقبع خلف أي عجوز. السواد الذي لا يُصنَّف على أنه ظاهرة طبيعية، ولا هو نتيجة حجب جسمٍ لمصدر ضوء، بل هو أشبه ما يكون بجدار؛ الظل الذي يبقى قابعًا خلفك حتى إذا توسط القمر السماء. عندما غاب عني ظله، عرفت السبب الذي كبّل قدميه.

لربما، في يوم من الأيام، كان لهذا الرجل أربع أيادٍ: اثنتان تجلبان المؤونة، واثنتان تخلق منهما الحياة. يجلب القمح؛ فتصنع منه طحينًا، ومن الطحين يأتي العجين، ومن العجين مائدة لا يدرك أحد نهايتها! يدان مطعّمتان بالأحمر العربي، أحمر خانق إلا أنه في قبضة يديها إذا ما هاج، قبضت عليه. في اليمنى خاتم من ذهب كل عام يصغر يصغر حجمه ويخف وزنه، ومع ذلك تبقى قيمته ثابتةً في عينيها. علمتُ من أكتاف العجوز المنحنية أنه قد فقد ظله. وما أسوأ من أن تفلت يداك بينما كانتا في دفء لأكثر من نصف حياتك؟ أن تتغير عليك ملامح العالم ونوايا البشر؛ فتجلس وحيدًا على سجادة بالكاد تسعك، متلحفًا بما تبقى من هويتك في محاولة إقناع نفسك بأنك ما زلت تنتمي هنا. ما زلت تنتمي إلى عالم السيارات اللامعة والأبواب المتحركة واللغة المتجددة. ما زلت تنتمي إلى أصحاب المطاعم العالمية والماركات الأجنبية والعادات الدخيلة. ما زلت منهم لأنك تشاركهم قطعة قماش، ولو أنها أصبحت أغلى وأجود وأحدث. قطعة القماش التي أصبحت مسمياتها تلتف بحروفٍ أجنبية تُلفظ من مخارج غريبة تكاد تُدمي لسانك. هل يا ترى تفتقر يداه للمسة بشرية؟ هل يتذكر كيف كان يتصيد الاجتماعات العائلية حتى يمسك يدها خلسة فتحمر وجنتاها بتلك الحمرة العربية وتسارع في نهره؟ هل يحن لتلك اليد التي نامت على كتفه أيام العزاء، وعانقت ذراعه في أوقات الوهن؟

يبسط يديه مرةً أخرى، فتقع عيناي على بقع خشنة على عكس نعومة كفيه وكأنها جزيرة في وسط بحر؛ صامدة رغم الجفاف وممتنعة عن الوصول بأطرافها إلى ماء البحر. ومع ذلك تعيش على كفيه عوالم وأجيال، سقاها من عصارة جهده، كفّان ترعرعتا على حلب الماعز، وكتفان ارتكزت عليهما أسس بيوت باتت الآن ترجف إذا ما حملت كوب ماء.

يسارع رجلٌ بالمرور من أمام العجوز مشيرًا بيده إلى السماء في إشارة تفهمها أي عينين عربيتين. لا يعرف هذا الرجل أن الشمس تدير ظهرها عن هذا العجوز، وتستقبله بوجهها المشرق وهو ما زال في بقعته مكفكف اليدين مكتفيًا بالذكريات. لا يعلم أن هذا العجوز لا تستهويه شريحة لحم فاخرة مشربة بصلصة الكمأة، بل ترد مخالب جوعه قطعة خبز وكأس لبن. هذا العجوز الذي اعتاد على العمل ليومٍ كامل بمقابل عشرة ريالات، ظنّها الآن توازي خمسمائة ريال بقيمتها. ضاع بين فجوة السنين حتى استيقظ وفي جيبه عشرة ريالات كانت كريمة لتزوده بمؤونة يومين. لم تسقط بين يديه صحيفة أخبار تحذره من ارتفاع غلاء المعيشة، ولم يرن جواله بإشعارٍ من إحدى صفحات التواصل الاجتماعي ليخبره بفرض الضريبة، ولم تدر هذه الأخبار في مجلس رفقته الذين سلّموا مقود الحياة لأبنائهم. لم يسعه إلا الجلوس على حافة الرصيف، لا سائلًا للمال ولا جالبًا له. اكتشف في وقتٍ متأخر أن من كانت تدفع عجلة الحياة ليست يدين فقط بل أربع، وما إن غابت اثنتان حتى تراجعت العجلة ساحقةً في طريقها أساسه المتهالك.

يطرف بعينيه جهة اليمين بعدما مّرت من أمامه امرأة تتشبث بحقيبتها، صادحة بصدى خطواتها كالمطرقة على قلبه. لو أن الأفعى التي تعتصره فكّت وثاقه، لما حملته قدماه على الوقوف وانتزاع الحقيبة. وحتى لو طاوعه جسده، لن يتهنى باله بحصيلته، ولا سكن قلبه عن فعلته، ولا استطعم لسانه ما اقتناه بالنقود المسروقة. تقرأ عيناي قصته من خلف نافذة السيارة؛ فكيف لهذه المرأة أن تجهل كل هذا وهي على مقربة شبرين منه؟ ألم تدرك حالة العجوز؟ أغفلت عيناها عن رؤية المحلات التجارية يمنة ويسرة ببضاعتها باهظة الثمن على بعد خطوات من مقعد العجوز؟ 

أثناء انشغالي بالنظر إلى المرأة، تسلقت الحية الرقطاء وجه العجوز لتغطي فمه، فأنفه، حتى امتد جذعها ليغطي ثلاثة أرباع وجهه في مزيجٍ من العار وقلة الحيلة. امتزجت النقاط الحمراء بأخرى شفافة تجري من بينها باتجاه الأرض في تضاربٍ شديد مع الحمرة العربية بالرغم من شفافيتها. تضارب اللونان ليرسما لوحةً بألوان عربية ونقشات أجنبية، لوحة يعجز عن رسمها فان جوخ ولو تفنن في دمج هذين اللونين بضرباته الدائرية الشهيرة. كان اللونان في نظري كالماء والزيت، لكلٍ منهما دوره: فالأول يطفئ، والثاني يشعل، والأول لو انهمر كالمطر، فمحال أن يخمد حمرةً عربية. شعرت بيأسه وهو يرفع يديه باتجاه قبلة كل عاجز. 

شعرت وكأنه يتلو على مسامعي الدعاء، قائلًا: رباه، ولو صعبًا عليك، فأنت خلقتني بعد ما كنتُ ترابًا، وأقمتَ أحلامي صرحًا عظيمًا بعدما كانت سرابًا، وأغرقتني بالرزق كالغيث من فم الرباب. رباه، جئتك سائلًا متضرعًا، لا ملك لي من ترف الحياة، لا مأكل ولا مضجع. رباه، إني في غربة. ألفظ الحروف ألفًا وياء، وأكتسي نفس الرداء، فإذا نطقت على مسامعي وقع الصدى. يا رب، يا من رصّ الحروف ألفًا وميمًا، وأحيا العظام بعد أن كانت رميمًا. يا من وضع الرؤوس على الرقاب، وستر عورتي عن الأعين ببيض الثياب، وسقاني ماءً عذبًا من بطن السحاب.

وانخفض صوته في مخيلتي، وكأن الحروف أبت أن تفصح عن حاجته. انخفضت بعدها يديه إلى الأرض وكأن الأرض تسحبهما لتقبّلهما؛ لتقول: عد ها هنا إلى بطني الذي خرجت منه ودعني أحتضنك. عد حتى يبعث منك نخلة تطعم الناس بتمرها، أو شجرة سدرٍ تُظل مسافرًا شدت عليه الشمس بلهيبها. عد طعامًا لشجرة حناء تتوسط يدي عجوزٍ تطبع بيدها على خبز تنور. 

وما إن أشحت بناظري عنه، إلا وجدت الإشارة قد أصبحت خضراء، وأصوات مزامير السيارات تطغى على مناجاة العجوز. الناس كانوا في مشهٍد مهيب، كل منهم يجري ويعدو ويصطدم ببعض، ولا يلتفت أحدهم للآخر ليقول «المعذرة».  أسرعت بالضغط على دواسة البنزين، وفي غضون ثوان انتفخ بطن الأرض؛ فأسرعت بالضغط على مكابح السيارة. رأيت السيارات أمامي تتطاير مسرعةً فوق المطب، ولم يعبأ أحدٌ منهم أن يقف لثانية.


رهف خريجة ماجستير أدب إنجليزي مهتمة بكتابة القصص القصيرة والشعر باللغتين العربية والإنقليزية. نشرت قصة قصيرة بالعربية في مجلة سرد أدبي وقصيدة باللغة الإنجليزية في مجلة فش بارل. تابعوها على إنستقرام وتويتر.

Khaled AlqahtaniComment