بيننا: وعد جنبي ومحمد الغامدي

نبدأ العدد التاسع والعشرين من ورد بإطلاق بيننا، وهي سلسلة من الحوارات التي تجمع مبدعين تتشابه ممارساتهم الفنية وتثري بعضها بعضًا. تعتبر السلسلة التعاون بين الفنانين ركيزةً لأي عمل ثقافي، وتُسجَّل حواراتها في الأماكن العامة التي يستعيد الفنانين حقهم فيها بوصفها مساحات تنبثق فيها أفكارهم وتتشكل الروابط فيما بينهم خارج الدعم المؤسسي، وأحيانًا رغم غيابه.

في أولى حلقات السلسلة، دعونا الكاتبة وعد جنبي والممثل محمد الغامدي إلى حديقة الروضة في جدة، حيث استعادا ذكرى لقائهم الأول. وسرعان ما انتقل الحديث إلى كيف بدأ كلٌّ منهما في حب السينما، والقصص التي تؤرقهم، وثقل أن يضع حياته وتجربته الشخصية أمام أعين الآخرين على الشاشة.


محمد: كيف التقينا للمرة الأولى، وكيف كانت انطباعاتنا؟

وعد: أتذكر أنني شاهدت لك مقطع فيديو تتحدث فيه عن فيلم مها الساعاتي، وهي أعظم مخرجة سعودية بالنسبة لي، قبل أن ألتقي بك في «فنك». عندما رأيت شخصًا يقدرها، عرفت أن عليّ أن أقابلك. حينما رأيتك في «فنك»، قلت لنفسي لا بد أن نصبح صديقين، ولا بد أن نعمل معًا. وعندما تابعتك على إنستقرام، شاهدت لك مقطعًا آخر تمثل فيه مشهدًا مسرحيًا، وكان مقطعًا مؤثرًا.

محمد: أتذكر أنني رأيتك أيضًا في «فنك» خلال ورشة «موف» التي قدمتها لنا قمصاني. وأتذكر أننا جلسنا في الساحة الخارجية لـ«فنك» في حي جميل، برفقة لنا قمصاني وإسماعيل بخادي وعبدالله عباسي وعدد من الأشخاص الآخرين. أعجبني وضوح شخصيتك الشديد. لم تخشين التعبير عن نفسك، ولم تخشين تجربة شيء خارج نطاق ما اعتدتِ عليه، مثل الحركات التعبيرية.

وعد: كانت «فنك» تجربة جديدة علي. كنت حينها عائدة من أمريكا إلى جدة قبل بضع سنوات، ولذلك كان من الرائع أن أجد مجتمعًا مثل هذا، أستطيع أن أكون فيه على طبيعتي، وأن أعبر عن نفسي إبداعيًا، وأن أكون في المجال الذي أشعر فيه بأنني في مكاني.

محمد: كانت تجربة جديدة علينا جميعًا. فأنا، بصفتي ممثلًا، أستخدم جسدي في التمثيل والأداء، لكن استخدامه كأداة لتحريك المشاعر ورواية القصص كان أمرًا جديدًا علي، وكان من الجميل أن نستكشفه معًا بوصفه شكلًا فنيًا جديدًا. أشعر بأنني حملت هذه التجربة معي إلى حياتي خارج الورشة، وخارج حدود المساحة التي كنا فيها. هل شاركتِ في العرض الختامي في النهاية؟

وعد: لا، لقد هربت

محمد: لماذا هربتِ؟

وعد: أعجبتني الورشة عمومًا واستمتعت بها، لكن عندما جاء العرض الختامي

محمد: اعتقدت كنتِ ستستمتعين به

وعد: لكنني كنت واعية جدًا بجسدي، وهذا أمر أقدّره حقًا لدى الممثلين. هل كانت شخصيتك شريرة في ذلك العرض؟

محمد: كانت الفكرة أن تقدم كل مجموعة من المشاركين في ورشة «موف» عرضًا يعتمد على الحركات التعبيرية من دون كلام، أي أن تروي القصة من خلال جسدك وتعابير وجهك. أتذكر أن الدور الذي أديته كان لشخص يقف في مواجهة المجموعة ويعارضها. كان دورًا أؤديه للمرة الأولى، كما أنني انضممت إلى هذه المجموعة في اللحظة الأخيرة. ومع ذلك، وثقوا بي كثيرًا وأسندوا إلي الدور. وشعرت بمتعة كبيرة، لأنني ربما أكون شخصًا طيبًا في الحياة؟

وعد: كان أداؤك رائعًا. لا أتذكر العرض كله بتفاصيله، لكنني أتذكر دورك بوضوح. كان الجميع يرخون رؤوسهم، بينما كنت أنت ترفع رأسك وتحمل سكينًا، لم يكن المشهد يمثل حقيقيتك بالطبع.

محمد: كان ذلك من أجمل أيام حياتي. أراد الجميع التعاون والتواصل سويًا، وكان الجميع يسعى إلى الوصول إلى شيء ما. في تلك الليلة، رأيت للمرة الأولى هذا العدد الكبير من الناس، وقد استمتعوا جميعًا بالعرض. واستمتعت أنا أيضًا بمشاهدة العروض الأخرى، لأنني لم أكن أعرف ما الذي تخطط كل مجموعة لتقديمه.  لماذا انسحبتِ في اللحظة الأخيرة؟

وعد: بصراحة، كنت أعرف أن الورشة تتعلق بالتمثيل، فقلت لنفسي «دعيني أجرب التمثيل»، خصوصًا أنني سبق أن جربته في الجامعة من خلال الأفلام القصيرة. لكن عندما اتضح لي أن الأمر يتعلق بالرقص التعبيري والارتباط بالجسد، أدركت أنني لا أريد خوض هذه التجربة لأنني في الحقيقة لا أشعر بارتباط بجسدي. وهذا أمر أقدره لدى الممثلين والراقصين. ما زلت أشعر بالإحراج عندما أشاهد مقاطع الفيديو الخاصة بي حتى الآن. لذلك عندما حان موعد العرض الختامي، وكان بإمكاني الانسحاب، هربت منه. كما أنني كنت سأفوت فرصة مشاهدة أدائك لو شاركت في العرض.

محمد: لكن كان بإمكانك تقديم العرض ومشاهدتي في الوقت نفسه.

وعد: لكن التجربة لن تكون كما هي

محمد:  بما أنك ذكرتِ مسألة الإحراج، أشعر أن من المهم جدًا للفنان عندما يرغب في الظهور على منصة أمام الناس أن يفصل نفسه عن مسألة كيفية رؤية الآخرين له، أو كيفية رؤيته هو لنفسه؛ ففي المسرح، لا أستطيع أن أرى نفسي، لكن الناس يرونني. أما في السينما والأفلام، أحاول كثيرًا تجنب مشاهدة المشاهد مرة أخرى، لأنها تؤثر في الطريقة التي سأرى بها نفسي لاحقًا. فمثلًا، إذا شاهدت المشهد وتابعت كيف صُوّر، فسأظل أفكر في مظهري: «إذًا، هكذا أبدو، ولذلك علي أن أفعل كذا». وبصفتي ممثلًا، لا أحتاج إلى إشغال نفسي بكل هذه الأمور. من المهم جدًا أن أثق بالمخرج، وإذا أعجبه المشهد وقال إنه جيد، فهذا كل ما أحتاج إليه.

وعد: أشعر أن هذا أمر طبيعي لدى الفنان. مثلًا، عندما عُرض فيلمي، كنت أتمنى لو أستطيع الاختباء تحت المقاعد. شعرت وكأنني أجرّد نفسي عاطفيًا أمام الجمهور؛ فالناس يشاهدون أفكاري وقصتي. أشعر بأننا بصفتنا فنانين نُخرج هذا الجزء من أنفسنا إلى العلن، ثم نقول للناس انتقدونا أو أحبونا. نحن نفعل ذلك طوال الوقت. لذلك أرى أنه من الطبيعي جدًا أن نشعر بهذا الإحساس.

محمد: وبالحديث عن فيلمك، أشعر أن هذه السنة تحديدًا شهدت عرض أعمالنا السينمائية أمام الجمهور.

وعد: وأنت في النرويج، مثلًا، ما شاء الله

محمد: عُرض فيلمك في حي جميل، فهل كانت له جولة عرض أخرى؟

وعد: فيلمي الذي أخرجته وكتبتُه، «اتزان»، عُرض في حي جميل. أما فيلمي الآخر، «المشهد»، الذي كتبته وأخرجته لنا قمصاني، فقد عُرض في مهرجان البحر الأحمر السينمائي ومهرجان الأفلام السعودية.

محمد: أشعر أن فيلمك «اتزان»، الذي أخرجتِه مثّل فصلًا جديدًا في مسيرتك

وعد: بالتأكيد. كانت التجربة مخيفة جدًا. على الرغم من أن جدة مدينة أعيش فيها، وأن الناس فيها يشبهونني إلى حد كبير، وأن حي جميل، عمومًا، مكان أشعر بأنه يشبهني كثيرًا، فإن الفكرة كانت مخيفة للغاية.

محمد: لماذا؟

وعد: كان شعورًا جديدًا علي، وحتى الآن لا أجد الكلمات التي أستطيع بها وصف ما شعرت به آنذاك. أشعر الآن وكأن الأمر كان حلمًا وانتهى، مع أن الفيلم ظل يُعرض في السينما لمدة شهر وأسبوع.

محمد: عُرض لمدة طويلة

وعد: نعم، كان من المثير للاهتمام أن أختبر هذه المشاعر

محمد: هل فكرتِ في تجربة المشاهد وقتها، أم أنك بقيتِ عالقة داخل رأسك؟

وعد: لا بصراحة، بقيت عالقة داخل رأسي. في الحقيقة، أعاني من متلازمة. لو جئتَ وقلتَ لي: «وعد، لقد أحببت فيلمك كثيرًا، فيلمك رائع»، فسأجيبك: «أنت تكذب! حقًا، هل تتحدث عن عملي أنا؟» هذا أمر أعمل حاليًا على تحسينه في نفسي.

محمد: أتفهم ذلك تمامًا، وأتفهم وجهة نظرك. فمن أحلامي حرفيًا أن أرى نفسي على شاشة السينما؛ فالسينما مكاني المفضل في الحياة. وعندما تحقق هذا الحلم هذه السنة، كانت التجربة مختلفة تمامًا.

وعد: أخبرني. عُد إلى البداية، واحكِ لي كيف شعرت عندما ذهبت إلى النرويج وشاهدت فيلمك. وما الفيلم الذي عُرض؟

محمد: كان الفيلم بعنوان «بالأمس حلمت بالألماس» للمخرج طلال العتيبي. لم يؤكد لي حتى الآن العنوان العربي، لكنني أشعر بأن «بالأمس حلمت بالألماس» سيكون عنوانًا جميلًا جدًا؛ فوقعه لطيف على اللسان.

شاركنا في مهرجان للأفلام القصيرة في النرويج، وهو من أعرق المهرجانات السينمائية هناك. كانت فرصة لم أرغب في تفويتها، خصوصًا أنه كان أول فيلم لنا يُعرض، وأول فيلم أشارك فيه ويُعرض على الشاشة. شعرت بأنني سأندم لاحقًا إذا لم أذهب. كانت التجربة جميلة، لكن لا يمكنك توقع أنك ستعيشين هذه المشاعر فعلًا. يمكنك أن تتوقعي وتتخيلي في ذهنك مختلف السيناريوهات، وأن تقولي لنفسك: «في هذه اللحظة سأعيش هذه التجربة، أو سأشعر بهذا الشعور». يمكنك حتى أن تتخيلي مسبقًا كيف ستكون تلك اللحظة. لكن عندما تأتي تلك اللحظة بالفعل، لا يسعك إلا أن تستسلمي لها؛ لأنها تحمل مشاعر تختبرينها للمرة الأولى، أو تشعرين بها بالطريقة التي وصفتها. جلستُ حينها في قاعة مكتظة بالناس، لم يكن أحد منهم يتحدث لغتي، وربما كان هذا أول فيلم عربي يشاهدونه.

وعد: كيف كانت ردود أفعالهم؟

محمد: أُقيمت بعد العرض جلسة للأسئلة والأجوبة، وكان الناس متفاعلين وفضوليين بشأن الموضوع والأداء. كانت فكرة وصول قصة عربية سعودية إلى هناك أمرًا رائعًا. كيف حدث ذلك أصلًا؟ هذا ما يجعلني أحب الفن وقدرت أن يصل بلغة، أو حتى من دون لغة،  إلى الآخرين.

عندما شاهدت نفسي في الفيلم، شعرت بشيء من الإحراج، ليس لسبب معين، بل لأن رؤية نفسك وأنت تؤدي شيئًا ما أمر غريب جدًا؛ فأنت في تلك اللحظة لا تكون نفسك تمامًا، بل تقدم شيئًا آخر. لكن عندما ظهرت في النهاية أسماء المخرج واسمي وأسماء الممثلين، شعرت بالإنجاز.

وعد: عندما عُرض فيلمي في حي جميل، أُقيمت بعده جلسة نقاش وأسئلة، وكنتَ أنت مدير الحوار. كان هذا أكثر ما تحمست له؛ لأن فكرة وجودي هناك، وطرح الناس الأسئلة علي، كانت مثيرة جدًا للاهتمام.

ارتجفت عندما وقفت أمام الجمهور. حتى عندما يكون جسدي مستيقظًا ومتأهبًا، فإنه يظل يستجيب بهذه الطريقة. لكن ما ساعدني حينها هو وجود وجوه مألوفة من أصدقائي بين الجمهور، وكونك أنت من يطرح الأسئلة. أنت شخص يقدر الفن، وتمثل لي مساحة آمنة. أنت شخص حساس، وقد أسعدني كثيرًا أنك كنت مدير الحوار. وإذا كان هناك شخص يستحق أن يتولى هذه المهمة، فهو بالتأكيد أنت.

محمد: عندما طلبوا مني إدارة الحوار، أخبروني أن البرنامج سيتضمن أربعة أقسام، وأنني سأدير الحوار في أحدها. في البداية، ظننت أنهم سيتركون لي اختيار قسم واحد فقط. لكن عندما شاهدت فيلمك وأفلامًا أخرى أحبها، سألتهم فورًا: «هل يمكنني إدارة الحوار في هذا القسم؟»

محمد: قالوا لي «نعم، ستكون أنت من يدير الحوار في هذا القسم». من المهم أن يتحلى الفنان بالفضول، ولذلك كنت سعيدًا بأن أكون فضوليًا عن أعمالكم، وأن أطرح عليكم هذه الأسئلة. وكما ذكرتِ، كان ذلك نوعًا من الدعم لكم، ودعمًا لصناع الأفلام، وللأفلام القصيرة التي لا تتاح للجمهور فرص كثيرة لمشاهدتها.

وعد: هذه من أهم النقاط التي ينبغي أن تقوم عليها صناعة السينما، أن يدعم الفنانون بعضهم بعضًا، وأن يأتوا لمشاهدة أعمال بعضهم. يزعجني أن تقوم هذه الصناعة على المجاملات المبالغ فيها والمصالح الشخصية. لا يملك أحد الوقت الكافي للحديث عن هذه المسألة. نحن نشكو منها، لكن لا أحد يتحدث عنها بصوت عالٍ بما يكفي.

مثلًا، كان فيلمكم الفيلم العربي والسعودي الوحيد في المهرجان، ومع ذلك استطاع الوصول إلى الناس. أؤمن بأن الفن كوني، وأنه يتعلق بالإنسانية. فكيف يمكن أن يكون الفن نابعًا منا، وشبيهًا بنا، ثم لا نضعه في مقدمة أولوياتنا؟ أعتقد أن الجيل الأصغر سنًا أكثر وعيًا بهذه المسألة، وأنه يعمل على تغييرها.

محمد: هل شعرتِ يومًا بأنك أنجزتِ أعمالًا لا تشبهك أو لا تعبر عنك؟

وعد: عندما بدأت العمل، عملتُ ككاتبة. قضيت حياتي أكتب وأحلم بالكتابة. وحتى عندما بدأت العمل في مجال الأفلام، كنت أشرف على النصوص. وبصفتي كاتبة، عملت على نصوص لم أكن أرغب في العمل عليها. كان بعضها، مثلًا، من منظور ذكوري ويتضمن عناصر متحيزة. لكنني وافقت على العمل عليها لأن ذلك كان يمنحني التقدير المهني والخبرة.

أتمتع بقدرة عالية على الملاحظة بوصفي مشرفة على النصوص، وأستطيع التعرف على تفاصيل كل دور. وحتى عندما كنت أعمل على أفلام تزعجني قصصها، كنت أركز على كل فرد من أفراد الفريق، وعلى دوره في صناعة الفيلم. هذا أمر أحرص على فعله في حياتي عمومًا، أن أستفيد من كل تجربة، حتى إن لم أستمتع بها.

محمد: هذه صفة جميلة جدًا، أن تستخرجي الجانب الجيد من التجربة السيئة. فحتى لو لم تكن التجربة جيدة، تكونين قد خرجتِ منها بمعلومة جديدة.

نادرًا ما عملت على شيء لم يعجبني أو لم أستطع تقبله. وحتى عندما يحدث ذلك، أحاول أن أجعله فرصة لتطوير نفسي. فمثلًا، إذا أديت مشهدًا أو حوارًا لم تعجبني لغته أو حواراته أو قصته، فإنني أفكر فيه باعتباره شيئًا لم أجرّبه من قبل. وأقول لنفسي: «هذا شيء لم أجرّبه؛ فلأتعلم منه شيئًا جديدًا». وأحاول أن أستكشف من خلاله جانبًا من التمثيل كنت أرغب في تجربته.

أستمتع بالعملية نفسها. وأكثر ما أستمتع به هو مرحلة التحضير لشيء ما. وهذا ما تعنيه كلمة play فعلًا؛ أي اللعب. فأنت تلعب مع من يشاركك العمل، وتلعب مع الشخصيات. أستمتع بهذا الجانب، وأجد فيه ما يكفيني لتحقيق رغبتي كفنان.

وعد: وجدت الحل في العمل مع النساء. فالنساء، وصانعات الأفلام على وجه الخصوص، أكثر اتصالًا بمشاعرهن من هذه الناحية. وأشعر أيضًا بأنهن أكثر جرأة وقوة في رواية قصص حقيقية تشبههن. بالطبع، لا بد من التفكير في الأمور التي تجذب الجمهور أو التي يمكن أن تحقق مكاسب. ومن مشكلات السينما السعودية، مثلًا، أن بعض الأفلام قد لا تبيع عددًا كبيرًا من التذاكر. لكن كيف يمكننا أن نجعل الجمهور السعودي يدرك أن السينما السعودية لا تزال في بداياتها، وأنها ما زالت تتطور؟ من الأمور التي ألاحظها في أفلام صانعات الأفلام السعوديات أنهن يخاطرن بصناعة أفلام قد لا تجد جمهورًا واسعًا، لكنها تروي قصصًا صادقة.

محمد: لم يسبق لي أن عملت مع مخرجة، وهذا أمر أتمنى تجربته كثيرًا

وعد: يمكنك العمل معي في فيلمي القادم! لقد أخبرتك أن لدي فكرة لدور لك في فيلم، لكنني لا أستطيع الحديث عنها الآن بسبب حقوق الملكية.

محمد: ربما عملتُ مع لنا قمصاني في المسرح، لكنني لم أعمل معها في فيلم. أحب كثيرًا السينما التي أتابعها عندما تكون من إخراج النساء. أجد فيها حميمية وعلاقات أصيلة لا يمكن تزييفها. بل إن فيها حنانًا ملموسًا أستطيع أن أراه في حياتي. أتوق إلى أن أكون قريبًا من هذه اللمسة، وأن أكون جزءًا منها.

وعد: أؤمن أيضًا بأن النساء يستطعن كتابة شخصيات رجالية عميقة، لكنني لا أستطيع أن أقول الشيء نفسه عن المخرجين الرجال عندما يكتبون شخصيات نسائية.

محمد: هناك استثناءات.

وعد: لكنها استثناءات قليلة. وفي مشهدنا السينمائي في السعودية، لا نزال نفتقر إلى هذا النوع من الأعمال.

مقتطفات من كواليس الحوار

محمد: بصفتك كاتبة، استطعتِ أن تساعديني على الوصول إلى مرحلة أفهم فيها عمليتك الإبداعية. بصفتي ممثلًا، لا أدّعي أنني كاتب، لكنني أحب الكتابة كثيرًا. ومن خلال ملاحظاتك النقدية، استطعتِ أن تعلميني كيف أبني هيكل النص وأمنح الشخصيات عمقًا. جعلتيني أتخيل الشخصيات التي نحتاج إليها فعلًا، وتلك التي يمكنني الاستغناء عنها. أخبريني، من منظورك ككاتبة، كيف تسير عمليتك الإبداعية؟

وعد: كانت الكتابة جزءًا من حياتي منذ زمن طويل. كانت أمرًا شخصيًا بالنسبة لي، ووسيلة أعبر من خلالها عن غضبي تجاه حياتي ومشاعري. حتى أثناء دراستي، قررت أن أدرس الصحافة أنها أقرب شيء وجدته للكتابة، ثم تخصصت في كتابة السيناريو خلال مرحلة الماجستير، لأنني ببساطة أحب الكتابة. دخلت مجال إنتاج الأفلام بالصدفة. وبعد أن كتبت نصوص الأفلام، بدأت أرى كيف يمكنني أن أضع النقاط على الحروف. كان يهمني أن أعرف كيف أستطيع إيصال القصة إلى الممثلين وفريق العمل عمومًا، وأن نرويها بأكبر قدر ممكن من الإنسانية.

في النهاية، لا أريد أن أشرح لك كل شيء بالتفصيل كممثل. لن أكتب في النص أن هذه الشخصية تميل برأسها أو تؤدي حركة معينة؛ فهذه التفاصيل لا ينبغي بالضرورة أن تكون جزءًا من النص. يمكنني أن أخبرك بها على انفراد، حتى تتمكن كممثل من استحضار هذه المشاعر كما تنبع من تجاربك الشخصية. المهم أن يكون ما تقدمه حقيقيًا ومن داخلك.

لن أقول لك: «واحد، اثنان، ثلاثة، ابدأ العمل الآن». هذا أحد الأمور التي نفتقدها في مجالنا.

محمد: أكره أن يكتب المخرجون أو الكتاب للممثلين عبارات مثل: «تبكي الشخصية الآن». من حق المخرج أن يرغب في أن يُؤدى المشهد بهذه الطريقة، لكنني أكره أن يخبرني النص بما ينبغي علي فعله. أشعر بأنني سأدخل بعد ذلك إلى الشخصية وظروفها ومشاعرها، وسأعرف بنفسي ما الذي ينبغي أن أفعله.

أتذكر أننا كنا في موقع تصوير العمل الذي أنجزناه مع الفيلم القصير «صويا صوص» لصديقي المخرج نواف الجهني، وكان النص يتضمن العبارة نفسها. أحيانًا يعمل عقلي ضدي. عندما رأيت النص، قال لي عقلي: «لا تبكِ». أنا شخص حساس، والدموع قريبة مني، لكن عندما أكون في موقع التصوير، محاطًا بالكثير من الناس الذين يريدون مني أن أبكي، فإنني لن أبكي.

هناك تعلمت شيئًا عن نفسي بصفتي ممثلًا: لا يمكنني أن أجبر نفسي على الشعور بشيء. في تلك اللحظة، أدركت أنني لا أستطيع خوض تجربة كهذه بطريقة غير حقيقية. ولحسن الحظ، لم يكن نواف، بصفته مخرجًا، يدقق في هذه التفاصيل، ومنحني مساحة لأعيش تجربتي وأفعل ما أراه مناسبًا. كان يريد مني، بصفته مخرجًا، أن أصل من النقطة «أ» إلى النقطة «ب». وأثناء التصوير، ظهرت المشاعر من دون أن أبكي. نحتاج إلى التخلّي عن هذه الأمور التي نفرضها على الفنانين.

وعد: في رأيي، ما ينبغي أن يحدث هو أن يخبرك المخرج بأن الشخصية تشعر بإحساس معين، مثل الفقد أو الأذى. قد لا تكون قد مررت بهذه التجارب نفسها بصفتك ممثلًا، لكنك بالتأكيد مررت بتجربة تشبهها. ربما فقدت الشخصية والدها، بينما فقدت أنت شخصًا آخر في حياتك. بهذه الطريقة، نساعد الممثلين على الارتباط بالقصة.

محمد: ولإعطاء سياق للفيلم الذي أتمنى أن نراه على الشاشة قريبًا، لم يحدث لي من قبل أن مررت بتجربة كهذه؛ أن أعجز عن التصالح مع أمر ما أو التعبير عنه، ثم يموت الشخص المعني. هذه مشاعر كبيرة ومتعددة، ولا أعرف أين أوجهها، لأن الشخص الذي ترتبط به هذه المشاعر قد توفي.

وعد: يتيح لنا الفن والكتابة التعبير عن هذه الأشياء. في العام الماضي، درّست مادة عن الأفلام في الجامعة. كانت تجربة جميلة، لأنني كنت أشعر بالغضب تجاه صناعة السينما، خصوصًا فيما يتعلق بأشخاص مثلي تعلموا هذه الأمور أكاديميًا. وعندما درّست، استمتعت بالتعامل مع هذه الموضوعات برفقة طالبات شابات في مجال صناعة الأفلام. أرغب حاليًا في تدريس صناعة الأفلام، كما أريد الحصول على درجة الدكتوراة لاحقًا. لدي بعض الأفكار لأفلام، لكنني لا أعرف متى ستتحول إلى مشاريع حقيقية. للأسف، يعتمد الأمر على الميزانية، فهي التي تتحكم فيما نستطيع إنجازه وما لا نستطيع.

محمد: أعمل الآن على مشروع يعالج نقصًا ومشكلة في صناعة السينما، لكنني لا أستطيع الإفصاح عن تفاصيله، كما أنه يستغرق مني وقتًا طويلًا. أحاول من خلاله أن أساعد صنّاع الأفلام، ولا سيما صنّاع الأفلام القصيرة، على إيصال أصواتهم وأفلامهم إلى الناس، بدلًا من أن يظل عرضها حكرًا على المهرجانات السينمائية.

وعد: أي أن يحصل صنّاع الأفلام على المنصة التي يستحقونها

محمد: بالضبط! وأن يتمكن الناس من مشاهدة أعمالهم، على الأقل. فالجمهور لا يشاهد هذه الأفلام. لدينا أرض خصبة.

وعد: لدينا قصص كثيرة لم تُروَ بعد. ونعود هنا إلى النقطة التي تحدثنا عنها: يجب أن نكون شاعريين وأصيلين، لأنه لا توجد طريقة لتطوير صناعة السينما إلا من خلال اتباع هذا النهج.

محمد: من الأشياء التي أراها مشكلة أن الناس لا يصنعون الأفلام لأنفسهم، بل يصنعونها لإرضاء الآخرين وتحقيق غاية معينة. المفروض أن نحكي قصصًا عشناها، وسمعناها من أسلافنا وأهلنا ومحيطنا، لأنها أكثر القصص التي نشعر بالارتباط بها. وهذا ما أحاول فعله في الكتابة. فواز العدواني، الكاتب والمخرج السينمائي والمسرحي الكويتي، أعطاني نصيحة عندما عبّرت له عن إحباطي أثناء الكتابة. قال لي: «اكتبها كما تحكيها». غيرت هذه النصيحة منظوري إلى الموضوع. كنت متوترًا من فكرة صياغة القصة في شكل سيناريو. أردت أن أحكي قصصًا حدثت لي، وعشتها، وأعرف مشاعرها تمامًا. وعندما أقدمها للجمهور، أريد أن أعرف أنها نابعة من مكان حقيقي، وأنني لا أخدع الجمهور أو أغشه.

وعد: كلما كان العمل صادقًا ونابعًا منك أنت، يا محمد، بوصفك إنسانًا، وجد فيه بعض أفراد الجمهور ما يرتبطون به، سواء لأنهم مروا بتجارب مشابهة أو لأنهم يعرفون ذلك الإحساس.

محمد: أتوقع أنك شعرتِ بهذا في فيلمك الذي أخرجتيه

وعد: بشكل غير متوقع. جاءت إليّ نساء كثيرات وقلن إنهن مررن بالتجارب نفسها. وأريد أن أعمل على الشيء نفسه فيما يتعلق بالرجال.

محمد: كيف تعملين على ذلك؟

وعد: أريد أن أكون صادقة مع نفسي ومع قصصي. أعتقد أن هذا أكثر ما يصل إلى الناس، بغض النظر عن هوياتهم. أشعر أن الأمر مسؤولية مشتركة، بنسبة خمسين في المئة لكل طرف: علي أن أقوم بدوري، لكن على الجمهور أيضًا أن يقوم بدوره. لا يمكن أن تشاهد الفيلم، ثم تكون ردة فعلك الوحيدة هي: «هذا لا يمثلنا» أو «هذا لا يشبهنا». هذا مجرد تنظير. عليك أن تنظر إلى داخلك. لا يمكننا أن نشاهد كل هذه المواد، من فيديوهات وأفلام وكتب، من دون أن نشاهدها بعدسة نقدية. 

محمد: أريدك هنا أن تخاطبي الرجال فعلًا: كيف يمكننا كتابة الشخصيات النسائية بطريقة أصيلة؟

وعد: الأمر بسيط: وظف امرأة معك في فريق العمل. لماذا أقول أن النساء يستطعن كتابة الشخصيات الرجالية؟ لأن لدينا القدرة والفضول اللذان يدفعاننا إلى محاورة الرجال والتقرب من تجاربهم. لكن الرجال لا يفعلون الشيء نفسه.

كل الهويات تحيط بها صور نمطية، لكن النساء يستطعن تجاوز هذه الصور والكتابة بعيدًا عنها، بينما لا يفعل الرجال الشيء نفسه. لذلك تظهر في الأفلام شخصيات نسائية يكتبها الرجال، فتكون مبتذلة وتافهة وسطحية، ومع ذلك تُعرض هذه الأفلام، ويصفّق لها الناس، بل ويحتفون بها. وهذا يحزنني كثيرًا، بوصفي امرأة نسوية وصانعة أفلام.

محمد: بالنسبة إلى النساء في السعودية اللواتي يكتبن القصص، هل تشعرين أن قصصهن حقيقية، وأنك تستطيعين الارتباط بها؟

وعد: الفيلم السعودي الذي شعرت بارتباط كبير به، وما زال حاضرًا في ذهني، وأعتقد أنه كُتب بقدر كبير من المثالية، هو فيلم «وجدة» لهيفاء المنصور.

محمد: إنه أفضل فيلم سعودي بالنسبة لي

وعد: صحيح، إنه قديم بعض الشيء، والتمثيل فيه ركيك في بعض الأحيان

محمد: وهذه هي حلاوته، أنه حقيقي جدًا

وعد: بالفعل

محمد: لو قلت لك إن لديك ميزانية بلا حدود، ماذا ستفعلين؟

وعد: لديّ فيلم قصير كتبته منذ فترة، ويتناول جزءًا من حياتي الشخصية. كنت أنتظر أن يموت بعض أفراد عائلتي حتى أستطيع أن أحكي قصتهم، لكن عندما تبلغ الثلاثين، لا تعود تهتم بالأمر بالطريقة نفسها. لذلك، لو أُتيحت لي هذه الميزانية، فسأكتب قصة شاعرية وصادقة تنبع مني ومن تجربتي. وأنت، ماذا ستفعل بهذه الميزانية؟

محمد: هناك مشروع فيلم قصير أعمل عليه حاليًا. أريد أن أصور كيف يمكن لأشياء أن تحدث للإنسان، فتدمر ما بينه وبين الآخرين، ومع ذلك تبقى ذكراهم معه. أحب التركيز على التفاصيل البسيطة التي لا يوليها الناس اهتمامًا، لكنها تصبح ذات أهمية عندما نتأملها بعد مرور الزمن؛ إذ نكتشف أنها كانت لحظات مفصلية أسهمت في تشكيل الذكرى ومنحتها أهميتها.


كل الحب لضياء المسعودي ومحمد حسين وجوانا عشري لمساعدتهم في تسجيل وتصوير هذا الحوار.